رؤية سينمائية
"الموت الصامت".. ممنوع الاقتراب أو الخوف

ممنوع إلا الموت، لكن حتى الموت عندهم له كراسة شروط، كل صفحاتها بند واحد ومصير إجباري غريب يرسو على من يستحق.
هذه البلدة الملعونة هي الساحة الدرامية للفيلم الأمريكي الموت الصامت/Dead Silence إخراج جيمس وان، هذا الشاب الماليزي الأصل الأسترالي الجنسية الذي هز مشاعر مشاهدي السينما بإخراجه جزئي فيلم "المنشار/Saw" 2003 و2004. تخصص وان مع زميله السيناريست الأسترالي الشاب لاي وانل في تقديم أفلام الرعب، كما تعاونا في الفيلم الحالي في كتابة القصة.
تولى وانل كتابة السيناريو وحده ومزج بين آليات فيلم الرعب ومعطيات العوالم الغيبية، بما فيها من أرواح وأشباح وذكريات وأخطار وبعث وقدرات خارقة وما شابه، حيث تزحزح مفاجآتها الصادمة التعريفات التقليدية للزمان والمكان من مكانها ووقارها لتضرب رأسها في الحائط غير مأسوف عليها. من أهم عوامل نجاح الفيلم ابتعاده عن إبهار التكنولوجيا الزائد التي تفقد الكثير من الأفلام آدميتها وإنسانيتها.
فتح وقوع جريمة شرسة بابا مواربا من الحكايات الخرافية بمبالغات تخترق حجب الواقع، وكان من الأفضل ألا ينفتح، لكن أين المفر إذا كان الزوج جيمى آشن "ريان كوانتن" اكتشف مقتل زوجته ليزا "لاورا ريجان" بشكل بشع في أيام زواجهما الأولى، بعدما بعث أحدهم بالدمية الكبيرة "بيلى" وتركها على عتبة المنزل؛ المرسل مجهول لكن الرسالة واضحة.
استطاعت هذه الجريمة كنقطة
استطاعت هذه الجريمة كنقطة انطلاق درامية فرط حبات الخيط، وجذبتنا إلى حكاية قديمة في بلدة العروسين رافينز فير، بعدما هربا من لعنتها ولعنة السيدة ماري شو "جوديث روبرتس"، تولى الحانوتي والمصور العجوز هنري "مايكل فيرمان" وزوجته ماريون "جوان هيني" وظيفة الراوي على دفعات لربط الحاضر والماضي في شريحة واحدة.
وشاهدنا عبر الفلاش باك المجسم كيف تجرأ الصبي الصغير مايكل آشن "ستيفن تايلور" في أربعينيات القرن الماضي على إحراج السيدة ماري شو ببراءة وتحفز على خشبة المسرح أمام الجمهور، وأعلن أن ماري المشهورة بتقديم عروض للدمى المتكلمة سيدة مخادعة لأن الدمى لا تتكلم، وإنما ماري شو نفسها هي التي تحرك شفاهها بمعنى أنها تتكلم من بطنها.
قدم المخرج مع مدير التصوير جون ر. ليونيتي والمونتير مايكل ن. نو صورة تؤسس الجو العام للخوف واقتراب المحظور من أبعد وأقرب مكان، مما يستلزم إلهاء الكاميرا لتركيز المتلقي في زاوية ما بالسير البطيء في خط أفقي أو رأسي، ثم تباغته من الزاوية الأخرى العمياء التي لا يلحظها أصلا بمنطق سيكولوجية ألعاب الساحر.
إيقاع متمهل
ومن أجل تحضير المفاجآت المتنوعة لغرس الإثارة والتوتر، يتمهل الإيقاع جدا في لحظة ليقتلها ويقتلعها من جذورها، وأحيانا يصنع سياقا من الأحداث لا نلاحقها مثلما استكمل الراوي الكهل قصة لعنة ماري شو وليلة المسرح الفارقة، وكيف اختفى الولد الشجاع مايكل بعدها، وكيف طارد أهل البلدة ماري التي أصابها الجنون. فانتقموا منها بقتلها بعد قطع لسانها، وواروها التراب مع عرائسها التي زادت عن الـ100 بواحدة.
وبالمثل ردت روح ماري شو وعرائسها الانتقام من كل أهل البلدة بكل أجيالها بقتلهم بعد قطع ألسنتهم عقابا لهم على صراخهم أثناء الموت، ولم تكن الزوجة الجميلة ليزا إلا واحدة من هؤلاء، والمفارقة الدرامية الذكية أن المحقق جيم ليبتون "دوني والبرج" يعتقد أن الزوج هو قاتل زوجته لأنه لا يصدق هذه الخزعبلات، فأصبح يرافق الزوج المناضل في كل خطواته، ويمنحه الأمان والإيناس والدعم البشري والسلطوي دون علم أو قصد. بالتالي أنقذ المشاهد من الأسر في دائرة الملل داخل عالم مجهول، وليجد الزوج جيمي متنفسا للحوار مع أي إنسان آخر وسط هذا الصمت الرهيب.
حصار البلدة
من أهم الحيل الدرامية لخلق حالة الرعب المستمرة هي فكرة حصار ماري شو للبلدة وبالتالي للمتلقي، من خلال ارتباطها بكل سجل الجرائم، وسياق الفلاش باك لرؤية ماري بشخصها وكأنها سر حربي عظيم، وعدم جرأة أحد دائما على مجرد نطق اسمها، حتى أصبح الجميع يردده رغما عنه في كل لحظة سرا بمنطق الخوف الزائد وأن الممنوع مرغوب.
ومن أهم معطيات هذا الحصار الدرامي النفسي كانت عملية تجسيم وجود ماري من خلال الوسيط، أي هذه الدمية الرئيسة المتحركة "بيلي" التي تلتفت وتتوعد كأنها إنسان بالفعل، أو من خلال كل أشباهها من الدمى التي اختار لها المخرج تشريحا أقرب ما يكون للإنسان، من ناحية تفاصيل الوجه والحجم والارتفاع والملابس والملامح الموحية والعيون الواسعة التي تبتسم ابتسامة متأملة لكنها مخيفة.
يمر الوقت ويتصاعد الخوف من ابتسامة الدمية التي تتحكم في مقاليد كل شيء، تنتظر الوقت المناسب لتضرب ضربتها، ويعتبر هذا التوقيت المناسب من أفضل الأسباب في حفاظ الفيلم على جمهوره، فيما يتعلق بتدخلات المؤلف الموسيقي شارلي كلاوزر بجمل تمزج بين الواقع وغيبيات ما وراء الواقع مسايرا للتيار العام للفيلم، مع ترك مساحات قوية لفعل الصمت المؤثر.
مشاهد المسرح هي الأفضل
وبرغم كل مشاهد الفيلم المصممة بدقة، فإن مشاهد المسرح بأنوارها الحية في الماضي أو بأطلالها القاتمة في الحاضر تأتي كأفضل اللحظات.
وظف المخرج المدير الفني آناستاسيا ماسارو ومصممة الديكور كريستينا كونج ومصممة الملابس دنيس كروننبرج ومشرف المؤثرات المرئية آرون وينتراوب لخلق الفراغات المناسبة للحركة بهدف زيادة التأثير والإيحاءات، ولرسم تشكيلات هندسية جمالية في العلاقة الحميمية بين الكتلة والفراغ في أضيق وأوسع المساحات، ولإعلان سلطة الألوان القاتمة واحتلالها عرش الصورة بكل قوة، ولتدريج أبعاد الشاشة طبقا لعمق المنظور والخلفيات القريبة والبعيدة، ولتفعيل الا**سوارات المتناثرة برائحتها القاتمة التي تزكم الأنوف.
حسب التأويل السياسي كانت ماري شو تحكم شعبها من الدمى بطريقتها، وخطأ الصبي الرهيب أنه قطع عليها نشوة السلطة المطلقة لكونها الحاكم والمحكوم في عالمها المتخيل على خشبة مسرحها داخل عقلها هي. كل ما تفعله ماري شو الآن أنها تسترد عرشها لتظل تلعب الدورين معا في اللعبة المستحيلة نفسها إلى الأبد!.